الرئيسية » أقلام وآراء » [لو رأيتم وجهه حين رأيت] موقف مع القاضي محمد بن إسماعي العمراني!!!!
[لو رأيتم وجهه حين رأيت] موقف مع القاضي محمد بن إسماعي العمراني!!!!

[لو رأيتم وجهه حين رأيت] موقف مع القاضي محمد بن إسماعي العمراني!!!!


د.سعيد فرج
تكلم الناس عن القاضي محمد بن إسماعيل العمراني وأحببت أن أكتب عنه في جانب لم أجد من كتب عنه -فيما قرأت-...
درستُ على القاضي العمراني ما يقارب السبع السنوات وكنت في بعض الأحيان الذي يقرأ له أسئلة الطلاب أو الذي يجمعها له ويقدمها له ليجيب عليها، وكنا ندرس عند القاضي من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الساعة الحادية عشرة فكان الدرس يستمر حتى العاشرة أو قبلها بقليل ثم يفتح القاضي باب الأسئلة.
وقد أفدت من إجاباته القاضي كثيرا على هذه الأسئلة، حيث وأعترف للمرة الأولى أنه في كثير من الأحايين كنت أستغل السلطة التي أوكلت إليَّ، فأرتب الأوراق التي بين يدي كما يحلو لي دون إهمال لأسئلة بقية زملائي، وكان الشيخ يجيب عنها جميعها ولكنه الجشع العلمي والطمع المعرفي والأثرة في الطلب، فقد كنت أستبد بواقع سلطتي حتى أرتوي من ما أطلب.
وقد تفضل عليَّ الشيخ حفظه الله ورعاه إذ أجازني مع كوكبة من الطلاب بالتدريس والفتوى والقضاء ولهذه الإجازة منزلة خاصة في نفسي وزادني من كرمه فقدم لكتابي تقديماً أشرفُ به كثيراً. نعود مرة أخرى للموقف...
أزعم أني لا أغتر كثيرا بالهالات التي يصنعها المحبون والاتباع بكائن من كان، ولمشاغبتي في مرحلة الطلب فقد كنت أبحث بين مشايخي عن ما يميز هذا عن هذا ولماذا ارتفع هذا ولماذا ذاع ذكر هذا مع احترامي لجميعهم، ويشهد الله أني حتى الساعة ما قابلت شيخا من مشايخي إلا وقدمته وآثرته وقبلت رأسه إن سمح لي وسعيت في خدمته قدر استطاعتي لعظيم امتناني منهم جميعاً ولكنها كما قلت مشاغبة لا غير.
ولهذا كنت شديد المراقبة لشيخنا القاضي محمد بن إسماعيل العمراني من حيث يدري ومن حيث لا يدري وسأذكر لكم موقفا واحدا مازلت حتى الساعة إذا ذكرته نادتني تلك الحالة التي كنت عليها وأصابتني تلك الدهشة بحالها....
وهذا الموقف هو اتفقنا مجموعة من طلاب العلم أن نأخذ من القاضي العمراني أسانيده في الأحاديث المسلسلة كالحديث المسلسل بالأولية والحديث المسلسل بالتشبيك وغيرها.
وبعد ترتيب كل شيء وكان الطلاب صائمون في ذلك اليوم وإن لم تخني الذاكرة فقد كان يوم خميس وقد قدَّم لنا الشيخ تمراً وماءً للإفطار واستعد الجميع لأخذ أسانيد الشيخ المسلسلة جميعها -وللشيخ أسانيده عالية- واقتراح منظمو البرنامج أن يُبدأ بالقرآن الكريم ثم الدعاء ثم يُعطى الشيخ الفرصة لإجازتنا، وتقدم من قرأ القرآن ثم تقدم من يدعو لنا ونحن نؤمِّن على دعاءه وإن لم تخني الذاكرة كذلك كان الداعي ابن الشيخ قاسم بحر حفظه الله وقد آثر أن يدعو بترتيل وكان ذو صوت جميل فأطرق الجميع ومع الصيام والقرآن والمسجد نزلت حالة إيمانية على الجميع وبدا الجميع خاشعا مطرقا مردداً...
آمين آمين آمين.
في هذه اللحظات لا أدري ما الذي دفعني أن أرفع رأسي لأنظر للقاضي العمراني صاحب الملامح الجادة، فاذا ملامحه قد تغيرت كليا وإذا عيناه قد رُفِعت باتجاه السماء في تقاسيم رجاء لو أقسمت بين الركن والمقام أني لم أر مثلها ما حنثت، واستمر الطلاب واستمر الداعي واستمر الشيخ وظلت في مكاني قد فغرَّ فيَّ، وتصلبت عيناي على الشيخ، وأصابت الدهشة كل ذرة من كياني...
ولا أذكر ما الذي حدث بعد هذا لكأنما غبت عن المكان الزمان ونسيت كل شيء ولم يستقر في عقلي سوى وجه الشيخ وقت الدعاء.
انصرف الطلاب فرحين بعد أن نالوا ما نالوه من الاجازات، وظلت واجماً لا أتكلم مع أحد حتى خلوت ببعض زملائي ممن يحلو لنا السمر والمسامرة بعد صلاة العشاء، فسألوا عن سبب سكوتي فقلت لهم: هل رأيتم وجه الشيخ عند الدعاء؟!
وما قلت غير ذلك حتى آويت إلى فراشي.
ولو وصفت في ألف صفحة كيف كان وجه الشيخ ما استطعت أن أوصل لكم ما الذي رأيت فما رأيته يستفاد بالنظر وليس بالوصف، ما رأيته طريقه العين والعين فقط..
كان هذا درساً عظيماً لم أحظ بمثله كثيرا في حياتي، ولعل هذا كان إجابة لسؤالي الملح لماذا رفع الله هذا الرجل.
وتذكرت ما رواه أهل السير من أن القاسم بن محمد كان يكثر السفر مع عبدالله بن المبارك، فلم يكن يلحظ زياده في عبادته على غيره، فيعجب من ذلك وكثيراً ما تحدّثه نفسه: بما فضل هذا الرجل علينا حتى نال هذه الشهرة بين الناس؟
فبينما هم في ليلة على عشاء انطفأ السراج، فقام بعضهم وأخذ السراج وخرج به ليصلحه، وحينما عادوا نظر القاسم بن محمد إلى عبد الله بن مبارك فرأى الدموع قد بلّلت وجهه ولحيته، فقال في نفسه: بهذه الخشية فضل هذا الرجل علينا.
ومازلت حتى يومي هذا تعترني تلك الدهشة كلما ذكرت ذلك الموقف وذكرت الشيخ، فقد كان هذا درساً عميقاً في قوله تعالى "إنما يخشى الله من عباده العلماء" وكان هذا تفسيرا عمليا لقول ابن مسعود رضي الله عنه: "إنما العلم الخشية" حفظ الله الشيخ العلامة مفتي اليمن واليمانيين محمد بن إسماعيل العمراني. واعتذر عن الاطالة ولكنكم لو رأيتم ما رأيت لعذرتموني لو رأيتم وجه الشيخ؟

التعليقات على الفيس بوك



أضف تعليق

Developed By Mohanad Ameen