الرئيسية » أقلام وآراء » خندق الفداء يتسع للجميع
خندق الفداء يتسع للجميع

خندق الفداء يتسع للجميع


أحمد عبدالملك المقرمي

لم تكن قريش تخجل من تناقضاتها الفاضحة،  فحين كانت تنكر على الرسول بعثته، كانت في الوقت نفسه تتمناها لأي شخص ممن هو على شاكلتها.

 هذه العماهة و التناقضات ماتزال تتكرر لدى عقليات بعض الملأ من زعامات قومنا، ليس آخرها – مثلا – أن يشترط قانون الانتخابات في الجزائر أن يقوم من يتقدم لترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية بتقديم أوراق ترشحه بيده إلى مقر لجنة الانتخابات، فيما الرئيس الحالي له أن  يرسل أوراق ترشحه مع أي أحد من المارة !!

 بعض قنوات قومنا الفضائية وقفت بكل أساليب الكيد ضد ثورة الربيع العربي، بينما تقف اليوم مع ثورات في مكان آخر من بلاد قومنا!

 دعونا نعود إلى قريش – و إن كان الاكتفاء بمجرد ضرب الخرج لا يفيد الحمار – فيوم أن قام الملأ فيها منكرين للقرآن  و نبوة الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم قالوا في الوقت نفسه : ( لولا نُزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)!

 أعلنوا جحودهم بالقرآن الكريم و أظهروا عدم إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، لكنهم يعلنون أنهم سيكونون في مقدمة المؤمنين و المصدقين به لو أن القرآن نزل على أي رجل عظيم – وفق معاييرهم الخائبة للعظمة –     من  مكة أو الطائف ممن هم على شاكلة كفار قريش.

 لقد نَفِسوا على محمد أن يتنزل القرآن عليه، فهم يتمنون لو أنه أنزل على أبي جهل مثلا أو غيره من مشركي الطائف.

بعض قومنا يتغاضون عن البطولات و التضحيات و مواقف الفداء؛ لأنها أتت من غير الجهة التي يتمنونها،  فيجحدون دور الأبطال و يتنكرون لهم و ينكرونهم؛ لأنهم يريدونها أن لو كانت ممن هم على هواهم. إنها عقلية ( لولا نُزّل هذا القرآن ) و لو كان على أبي جهل.

 يستطيع الإنسان أن يصنع دُمْية تُحاكي الإنسان شكلا، و تشابهه هيكلا أو تضارعه جسدا؛ لكن الإنسان لا يستطيع أن يبثّ في ذلك الجسد الروح، أو يودع فيه الحياة.

و مثل ما أن أحدا لا يستطيع أن يجعل من الجبان شجاعا، و لا من الخائر بطلا، و لا من البخيل كريما، كذلك فإن أحدا لا يستطيع أن يجعل من الوهم حقيقة، و لا من الأماني واقعا.

  و التهريج الذي تتبعه بعض الفضائيات  لايستطيع – أيضا – أن  يُجَيّر البطولة لغائب عن الميدان، و لا أن ينسبها لمن يقف وراء وراء الصفوف. و مهما فعلت هذه القناة الفضائية أو تلك من مقابلات ( لمخرف) عسكري، أو( مروّج ) سياسي؛ بهدف حجب ضوء الشمس بما يهرفون به، أو طمس الحقيقة بما يبلبلون فيها، فلن يستطيعوا.

 نعم يستطيعون أن يقدموا لهم المال و المذياع و السلاح، و لكن حتى السلاح نفسه ما لم يكن بيدي بطل فإنه لا يعمل :

      إن السلاح جميع الناس تحمله      و ليس كل ذوات المخلب السَّبُع

   و إن شئتَ قلت :

      و عادة السيف أن يُزْهَى بجوهره   و ليس يعمل إلا في يدي بطل

 عنتريات البطولة التلفزيونية لا تقدمك بطلا، و أن ما يقدم هذا أو ذاك، أو أولئك بطلا هو فعل الميدان، ممن رضع حب المجد و شبّ على خُطا البطولة و صنع المواقف، أما هواة البطولة بالتهريج في قنوات البؤس فيفضحهم الميدان الذي يكشف حقيقة حالهم :

       و من في كفه منهم حسام   كمن في كفها منهم خضاب !

   الميدان – اليوم – وحده هو المحك العملي، و ينبغي أن يكون الصف الجمهوري صفا واحدا في وجه الكهنوت الحوثي،  و أن يضم كل أطيافه و ألوانه ضد الانقلاب، و على الذين يتمنون أن لو كان هناك  بطلا من إحدى القريتين عظيم، فإن عليهم أن يدعوا جانبا أمنيات المبغضين و أحلام العاجزين، و أن يعوا أن الأصفار مهما تضاعفت فإنها تظل أصفارا :

            و ليس لصفر  قيمة  ساعة  الوغى

            فمنذ متى الأصفار في الحرب تنعدّ

           و إن صحيح الرقم يغنيك في الوغى

           و  تخذلك  الاصفار  و  الليل  مُسْودّ



التعليقات على الفيس بوك



أضف تعليق

Developed By Mohanad Ameen